الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
97
مختصر الامثل
وأمام هذه المواقف الدنيئة والنظرات الضيّقة والآمال التافهة والنوايا الخبيثة التي تحملها الفئة الكافرة ، يحدد الإسلام موقف الجماعة المسلمة ، على أساس من رحابة الصدر وسعة الأفق وبعد النظرة « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » . إنّ « أمر اللَّه » في هذه الآية يعني « أمر الجهاد » ولعل الجماعة المسلمة لم تكن على استعداد شامل لخوض معركة دامية حين نزلت هذه الآية . الآية التالية تأمر المسلمين بحكمين هامين : إقامة الصلاة باعتبارها رمز ارتباط الإنسان باللَّه ، وإيتاء الزكاة وهي أيضاً رمز التكافل بين أبناء الأمة المسلمة ، وكلاهما ضروريان لتحقيق الانتصار على العدو : « وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ » . ثم تؤكد الآية على خلود العمل الصالح وبقائه : « وَمَا تُقَدّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ » . واللَّه سبحانه عالم بالسرائر ، ويعلم دوافع الأعمال ، ولا يضيع عنده أجر العاملين « إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » . بحثان 1 - « اصفحوا » : من « صفح » وصفح الشيء عرضه وجانبه كصفحة الوجه وصفحة السيف وصفحة الحجر ، والأمر بالصفح هو الأمر بالإعراض ، لكن عطفها على « فاعفوا » يفهم أنّه أمر بالإعراض لا عن جفاء بل عفو وسماح . 2 - عبارة « إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » قد تشير إلى أنّ اللَّه قادر أن ينصر المسلمين على أعدائهم بطرق غيبيه ، ولكن طبيعة حياة البشر والكون قائمة على أنّ الأعمال لا تتم إلّا بالتدريج وبعد توفّر المقدمات . وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 111 ) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 ) احتكار الجنة : القرآن في هاتين الآيتين يشير إلى ادعاء آخر من الادعاءات الفارغة لمجموعة من اليهود والنصارى : « وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى » . ثم يجيبهم جواباً رادعاً قائلًا : « تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ » .